محمد جواد مغنية
531
في ظلال نهج البلاغة
( فإنه ينادي مناد يوم القيامة إلخ ) . . المراد بالحارث العامل ، وبمبتلى في حرثه - بسكون الراء - المسؤول عن عمله ، والمراد بحرثة القرآن - بفتح الراء والثاء - العاملون به ، والمعنى ان أهل المحشر يسمعون مناديا يقول : كل انسان مسؤول عن عمله ومحاسب عليه وعلى عواقبه وآثاره ، فيعم الفزع والهلع الناس أجمعين من هذا النداء إلا العاملين بالقرآن فإنهم في أمن وأمان ( فكونوا من حرثته وأتباعه ) العاملين بهديه وأحكامه ( واستدلوه على ربكم ) اتخذوه رائدا ودليلا إلى مرضاة اللَّه وثوابه ( واستنصحوه على أنفسكم ) لا تقبلوا النصح إلا منه ومن الراسخين فيه علما وعملا ( واتهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه أهواءكم ) . كل ما خالف القرآن فهو جهل وضلال لا يوثق به ولا يركن اليه . وبعد ، فإن غرض الإمام من حديثه هنا حول القرآن هو بيان منزلته ، وتأثيره في توجيه الانسان إلى الغاية التي وجد من أجلها ، وهي من غير شك العلم من أجل العمل الصالح : * ( « الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * - 2 الملك » ولذا قال الإمام مكررا ومؤكدا : ( العمل العمل ) الصالح فإنه السبيل الوحيد للنجاة دنيا وآخرة ( ثم النهاية النهاية ) . لكل عمل عاقبة حلوة أو مرّة ، وقد أضاء سبحانه طريق هذه وتلك وقال للإنسان : اختر لنفسك ، والإمام يحذّره من عاقبة السوء ( والاستقامة الاستقامة ) على سبيل الحق والعدل والمساواة ( ثم الصبر الصبر ) على مر الجهاد والنضال من أجل الحرية والحياة بأمان واستقرار ( ان لكم نهاية إلخ ) . . المراد بالعلم - بفتح اللام - الكتاب والسنة ، وبنهاية الناس أن يختموا حياتهم بالخير والصلاح ، وبغاية الاسلام العلم النافع والعمل الصالح ، وبوظائفه تعالى أحكامه وتعاليمه ، وبحقه الطاعة والعمل بهذه التعاليم والأحكام . ( وأنا شاهد لكم ) عند اللَّه بالاستقامة على الهدى ودين الحق ( حجيج يوم القيامة عنكم ) . قال الشيخ محمد عبده : « الإمام كرم الله وجهه بعلو منزلته من اللَّه يشهد للمحسنين ، ويقوم بالحجة عن المخلصين » . والشيخ يشير بهذا إلى الآية 71 من سورة الإسراء : « يوم ندعو كل أناس بإمامهم » .